كشفت برديات الأدب المصري القديم أن الكاتب المصري كان أول من كتب القصة وكشفت قصصه أنه المؤلف الحقيقي لأشهر روائع الأدب العالمي الخالد التي سرقها العالم ونسبها الي نفسه
فالكاتب المصري أول من امسك بالقلم صنعه من غاب النيل ((نهر النيل)) وصنع الورق من عيدان البردي الذي ينمو على شاطئ النهر وقدم له النيل نبات النيلة ليصنع من عصيره حبر الكتابة.
وصنع الفرشاة من ريش الأوز الذي يسبح على النهر وصنع الألوان من أكاسيد المعادن.
بتلك الادوات التي قدمها للبشرية بأكملها خط أفكاره التي جمعت بين الفن والفكر والعلم والخيال. فكان الكاتب المصري أول من كتب وأول من قرأ خط لنفسه أبجدية.
 ان تلك القصائد والأغاني والملاحم التي رددتها البلاد بأكملها حتى دخلت الى مجالس
القصر كانت من الاسباب الرئيسية للقرار الذي أصدره الملك سنوسرت بالعفو عن سنوحي والسماح له بالعودة الى مصر وما ناله من تكريم وتقدير من العائلة الملكية بأكملها.
كما اصبحت قصته التي كتبها بنفسه من الملاحم الشعبية التي كان يرددها المنشدون والمداحون لأجيال طويلة كملاحم أبوزيد الهلالي وغيرها من الملاحم الشعبية المعروفة.
أما وقائع البطولة في قصة سنوحي كما وصفها بنفسه فهي عديدة من بينها على سبيل المثال واقعة مبارزته مع بطل قوي من فلسطين جاء يتحدى قوته ليبارزه ويحطم سطوته وهنا يقول سنوحي:
((جاء رجل قوي من فلسطين ليبارزني في معسكري)) كان بطلآ منقطع النظير، أخضع جميع قبائل فلسطين وأقسم أن يحاربني وتأمرمع رجال قبيلته ان يأخذ ماشيتي وأملاكي غنيمة وأدعي ان رجالي فتحوا بابه واخترقوا سياجه ودبروا سرقته وسألني الأمير فقلت له ان ذلك حقد عليك لأنه رأي انني رددت من سلطتك وأني كثور الماشية في قطيع غريب – ان الثور يحب النزال ولن يعلن تقهقره خوفا من ثور ربما كان أقوى منه أو يضارعه في القوة فإذا كان قلبه مصمما على الحرب فدعه ينطق بارادته، وهل الاله يعلم بما قدر له؟ أوهل يعرف هو كيف يكون المصير)).
ويتابع القصة بقوله ((في الليل شددت قوسى وفوقت سهامي وشحذت خنجري، وعند الفجر كانت فلسطين بأكملها قد جاءت وقد أثار قبائلها فتهيأت للنزال، وهنا برز كالثور الهائج.
كان كل قلب يحترق من اجلي وكل قلب مكلم بسببي هجم على فجأة قبل اشارة المبارزة فتفاديت سلاحه بحركة خاطفة فسقط درعه وفأسه وحزمه حرابه ومر سهمه بي طائشاً فتركته ولم أقض عليه بضربة قاضية وهو تحت رحمة سلاحي وقبضته الحديدية… وتركته وأعطيته الفرصة ليقترب مني ويهاجمني مرة ثانية فدفعت سهمي إليه فلصق بعنقه فصاح وهو يخور كالثور القتيل وقد انبطح على انفه فسحبت منه سيفه وأجهزت عليه به وصحت صيحة النصر وأنا أضع قدمي على رقبته فكانا قربانا لمصر أرض الاله.
ان ما دبره نكاية بي جعلته يحيق به ولقد فعل الاله رحمه بفرد غضب عليه وجعله يفر الى أرض أخرى ويحرم من وطنه بغير ذنب فعفا الاله عنه وأعاد الفرحة الى قلبه ونصره على من عاداه ويعود ويقول ((أيها الاله العظيم يا من أمرتني بالهروب وحميتني بالغربه كن رحيماً وأعدني ثانية الى مقر الملك لأرى المكان الذي يسكن فيه قلبي وأن تدفن جثتي في الأرض التي ولدت فيها وخرجت منها وبقرب من أحببت)).
وأرسل سنوحي الى سنوسرت أنه يحفظ له والعائلة كل ولاء واخلاص وأنه هرب خوفاً على حياته ممن تآمروا على قتله. ويكمل سنوحي قصته فيقول انه تلقى مرسوماً ملكياً بالعفو عنه والعودة الى مصر ونشر بيانه كاملاً بما فيه من توقيعات وأختام ولم يمكث في ((ياء)) الايوما واحداً عاد بعده فوراً إلى مصر وعندما وصل الى حدود مصر صحبه رجال القصر الى العاصمة وجاءوا في الصباح المبكر لدعوته لزيارة الملك وكان أبناء الملك في استقباله عند بوابة القصر وكان اللقاء مع فرعون والملكة وديا وصفه بأنه ((كان احتفالاً أنساه ما سرقته السنون من عمره)).
وعينة الملك أميناً على القصر وبين رجال حاشيته.
ويثير في نهاية القصة انه أقيم له قبر من الحجر وسط المقابر الملكية بجوار قبر الأميرة أشرف عليه كبير مهندسي العمارة بأمر الملك.
وهو مايربط قصة سنوحي وتيكاهيت بقيس وليلى حيث اشتركت القصتان في نهاية واحدة مماثلة حيث عاد كل منهما ليجد حبيبته قد سبقته إلى العالم الآخر.
٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭
ان صوت الناس يفني
ولكن صوت الكاتب يعيش ابد الدهر
الحكيم بتاح حوتب
تراث مصر ملئ بالأفكار الجميلة والرائعة حول الكلمة وشرف القلم. بل أن المصري القديم حرص على وضع ميثاق شرف للكاتب المصري.
هيئة الكتاب تقدم في هذا الموضوع صورة من تراثنا عن منزلة الكاتب ووضعه في المجتمع وتقدم ميثاق الشرف الذي عاش به كل كتاب العالم الكبار الذين يحترمون أنفسهم ويجلون الكلمة التي يكتبونها . .
الادب المصري القديم هو اقدم انواع الادب . يتميز بأصالته بحكم توغله في القدم . . كانت شخصيته القوية وطابعه المميز الذي كان انعكاسا لظروف البيئة في الزمان والمكان، واستجابة مباشرة للعوامل الفكرية والاجتماعية والدينية والتاريخية . . تلك العوامل التي حددت مفاهيمه وألهمت مواضيعه وحددت أساليبه . . فكان انتاجه الخلاق الذي وضع الأساس الذي اهتدى به الأدب في العالم القديم وترك بصماته على الكثير من عناصر الأدب العالمي الحديث . .
فالكاتب المصري كان أول من أمسك بالقلم في تاريخ البشرية . . رأى مولد الزمان فسجله .. عاصر أول تجربة لبناء الحضارة فدونها فكان أول من كتب التاريخ وخلد بقلمه تراثه الفكري بدأ بأداب السماء التي وهبته نعمة الكتابة وأمدته بالحرف والكلمة وعلمته كيف يمسك بالقلم وتدرج منه الى الحكمة وأدب تعاليم العقيدة مروراً بأدب الأمباطير وأدب القصة لشرح الواقع بالخيال ليوقظ أحاسيس المجتمع ويقرب من قلبه . . فكان أول من كتب الشعر وغناه والأدب وصنفه والقصة ورواها . . كان أول من كتب للمسرح ليضفي الحياة الى ما يكتبه وأول من ابتدع الأدب التصويري المصور فجعل من الأدب فنا جميلا ومن فنون كتابته وأساليبها مادة لذلك الفن.
خاض بفنون أدابه جميع جوانب التجارب الإنسانية وفتح افاقا جديدة للاداب فكان سخيا فيما قدمه عبر تاريخه الطويل وما خلفه من تراث فكري خالد كان للكاتب المصري أو((حامل القلم)) كما وصفه الفراعنة القدماء مركز ممتاز في المجتمع كانت مهنة الكاتبة من المهن المرموقة التي تصل في بعض مراتبها الى درجة التقديس كان لكاتب الأدب أو كاتب المعرفة النصيب الأكبر في أدارة دفة الأمور وتصريفها سواء في قصر فرعون أو دور الحكم أو بيوت العدالة كان الوزير الأول يسبق اسمه عادة لقب الكاتب فكانت الكاتبة ومهنتها حلم الكثيرين حيث تفتح لهم آفاقا واسعة. .بمراجعة تاريخ حياة الكثير من العظماء نجد أنهم بدأوا حياتهم بمهنة الكاتب فوصلوا عن طريقها الى مناصب هامة في الدولة وكثيرا ما كان أبناء فرعون نفسه وخاصة ولي عهده الذي سيرث العرش يسعون للحصول على لقب كاتب اول من المعبد أو لقب كاتب المعرفة المقدسة التي كانت تسبق القابه الملكية المتعددة عند جلوسه على العرش ولعل أكبر مثل لاعتزاز العظماء وكبار المسئولين في الدولة بلقب الكاتب أن كثيرا من رجال الدولة والفنانين والمهندسين والأطباء وروؤساء الكهنة والقواد العسكريين كانوا يضيفون الى ألقابهم لقب الكاتب كما خلد البعض أنفسهم بان نحتوا بعض تماثيلهم على شكل الكاتب الجالس حامل القلم وكانت شواهد الأحوال في الدولة الحديثة تدل على المكانة العظيمة التي وصل اليها الكاتب وحاملو القلم الذين قربهم ملوك الفراعنة الي العرش وعهدوا اليهم بأخطر أعمال شئون الدولة ووصلوا الى أرقى وظائفها وأطلق عليهم لقب ((كتاب الفرعون الحقيقيين)) وكانت تسجل أسماؤهم في ((لوحات الشرف)) بالقصر ((ولوحات الخلود)) بالمعبد. وقد ورد في لوحة الخلود في عهد رمسيس الثاني أسماء خمسين كاتبا كان الملك يخلد كل كاتب بصنع تمثال له تنقش علية القابه واعماله ولا يخلومتحف من المتاحف العالمية المشهورة من تمثال أو أكثر من تمثال الكاتب المصري.
ومن أشهر تمثال ((الكاتب المصري)) الذين خلدتهم البلاد في عهد رمسيس الثاني. تمثال الكاتب ((خاعي)) (كاتب الفرعون الحقيقي ومحبوبه) وتمثاله محفوظ بالمتحف المصري.
والكاتب((وي نفري)) (كاتب الفرعون الأول وحافظ أسراره) . .
والكاتب ((بانحسي)) (الكاتب الرسمي المشرف على المالية والتموين) وكتب اسم الملك على كتفه كوشاح للتكريم (المتحف البريطاني 9) ((ومن مس كانرا)) (كاتب الملك وكاتب الأسرار في مكان الصدق ويحتفظ بتمثاله متحف اللوفر) . .
والكاتب ((ثيا)) كاتب فرعون المحبوب ومعلم جلالته وحافظ أسرار المعرفة (متحف برلين) . .
والكاتب ((سا است)) (معلم مرنبتاح بن رمسيس . . الناطق بالحكمة) وقد صنع الملك له تمثالا من البازلت كتب على ظهره – أن من يعتدي على تمثاله أو يصيبه بسوء تنزل عليه لعنة الالهه ويحتفظ بتمثاله (متحف فيينا) . .
والكاتب ((مري بتاح)) كاتب وثائق الملك الصادق الأمين محبوب تحوت ((آله المعرفة)) وماعت (معبود الحق والصدق والعدالة) وقد صنع له فرعون لوحة يظهر فيها الملك وهو راكع أمام الآله وكتب فوقه . .
((أني أقدم التحيات والدعاء لرع لأجل روح الكاتب الأمين ((مري بتاح)) صادق القول وسيد الاحترام له الحياة الخالدة والفلاح والصحة . . والدعاء لاوزير لأجل روح الكاتب العظيم)) .
كما يحتفظ المتحف البريطاني بتمثال الكاتب والشاعر المشهور ((بنتاور)) الذي نسخ ملحمة رمسيس في معابده العظيمة . . ومن بين تمثال الكاتب التي تختفظ بها المتاحف العالمية تمثال كل من الكاتب ريا وكاثا وبن تستاوي وامن ابت وغيرهم . . كما كان من بين وسائل تكريم الكاتب أن يخلع الملك اسمه ليضاف الى أسمائهم كما هو كما هو الحال في أسماء الكتاب رعمسيس نختو ورعمسيس حورا ورعمسيس انانا . .
لقد تنافس ملوك وحكام الدولة الحديثة في مختلف وسائل التكريم للكاتب المصري فأقاموا ما أطلق عليه ((عيد المعرفة)) وهو ما يشابه ((عيد العلم)) اليوم فكانت تحفظ أعمال الكاتب المرموقين ضمن مقدسات المعابد وتدرس أعمالهم الأدبية في المدارس وتنشد أشعارهم وتردد أغانيهم في الحفلات والندوات ويتباري الرواد والسمار في سرد ملاحمه الأدبية وقصصهم الأسطورية التي كانوا ينسبون في بعضها أسماء أبطال الروايات الى أسماء الكتاب أنفسهم واحتلت مكانها في القصص الشعبي الذي توارثته الأجيال كما تحول البعض منها الى تمثيليات تعرض في المعابد والمسارح الشعبية في الأعياد . .

 أشرف مهنة ! !
ان الكثير من النصوص القديمة تبين مكانة الكاتب في المجتمع المصري القديم من بينها بردية الحكيم سنب حتب التي يوصى بها ابنه بقوله :
– أعد نفسك لتكون كاتبا وحاملا قلم المعرفة . . انها أشرف مهنة واجدر وظيفة تليق بك وترفع شأنك وتقربك من الآله فيوم أن تنادي شخصا واحدا يلبي نداءك ألف شخص فتعلو بقلمك على رؤس الاخرين . . ان ما يخطه قلمك سيعيش أبد الدهر ويكون أكثر خلودا مما ينقشه الآخرون على الحجر الصلب لأنه سيعيش في قلوب الناس ورؤسهم فلا تمتد اليه يد العبث أو التخريب . . تعلم كيف تحرك أصابعك القلم وكيف يحرك عقلك أصابعك فلا يخط قلمك الا الحكمة والمعرفة وما ينفع الناس . . اجعل ملف البردي وأدوات الكتابة أصدقاءك ستجد أنهم اوفى الأصدقاء وأخلص الندماء.
ستزيدك الكتابة بما هو اجمل من ملابس الكتان وعطور اللوتس أن ما يخطه قلمك هو أعظم ميراث لاتعبث به يد الطامعين وأثمن من ارث في أرض ناحية الشرق أو مقبرة ناحية الغرب أن الكتابة مهنة مقدسة تقربك الى الآله الذي منحك العقل والقلم وتقربك من فرعون والناس فتجعلك حبيبا للجميع وقريبا الى قلوب الجميع . . فغذاء العقل الذي تقدمه للناس باق أما غذاء البطون الذي تقدمه يعطيه لهم الغير لايدوم)) (برديات شتربتي – المتحف البريطاني) . .
ومن أقوال رع حتب في وصف أدب الكتابة قوله ((الكتابة تجعل الكاتب أسعد من أمرأة وضعت طفلا فالكتابة كميلاد الطفل الذي يعوض الأم ما تحتمله من الام في حمله ودلاته في حمله وولادته .قلا تشعر بأي تعب وهي تقوم لترضعه وتعطي ثديها لفمه كل يوم. فرح هو قلب الكاتب الذي يزداد شبابا كل يوم. فرح وهو يسترد أضعاف ما أعطى . . من حبهم وتعطيهم له وتقديسهم لأعماله)) . .
ومنها بردية الكاتب ((امون من)) حافظ سجلات فرعون ((كن كاتبا . . حتى يريح عقلك اجهاد جسمك كن كاتبا . . لتصبح سيد نفسك ولا تكن تحت امرة أسياد كثيرين كن كاتبا فتنعم عليك الالهة بحاسة جديدة مقدسة تضاف إلى حواسك الخمس . . حاسة تميزك عن الآخرين فترى مالايراه الآخرون . . وتسمع مالا يسمعه الآخرون.
سترى وتسمع بعقلك وقلبك عالم ماوراء الطبيعة ستتمتع بشهوات عقلك فتسعد قلبك. ومن كان قلبه سعيدا أسعد الآخرين . .
 ومن رسالة الحكيم اني لابنه ((فلتكن أمنيتك أن تصبح كاتبا فالكتاب أعطى رزق تسعى اليه)) . .
وأعظم هبه يهبها الآله لمن يسعى اليه.
الكاتب أعظم قيمة من مسكن الحياة حيث تشرق الشمس.
وابقى خلودا من مقبرة حيث تغرب الشمس.
انه أجمل وأمتع من قصر في البستان.
أو لوحة دعاء في هيكل معبد الآله.
هل بيننا من يضارع زدفرا؟
هل بينكم من يتساوي مع امحتب؟
هل في عصرنا من هو مثل نفري واختي أو بتاح جوني وكاخبر وهم أعظم العظماء الذين تتطلع اليهم الانظار وتنخفض امامهم الرءوس هل بينكم من يقول انه مثل بتاح حتب أو كاترس )). وتستمر الرسالة في سرد اسماء كثير من الأدباء وأعلام القلم في مختلف نواحي الأدب . . وجميع تلك الشخصيات التي ورد ذكرها في البردية ليست غريبة على التاريخ فزدفرا هو أحد أبناء الملك خوفو وكان أدبيا وشاعرا ويحمل لقب كاتب من معبد منف وأمحتب مهندس الملك زوسر وكانت القابه تجتمع بين الهندسة والطب والكتابة والأدب وبتاح حتب عاش في عهد الملك أسيس وكان من أعظم كتاب الحكمة في عصره.
ويعتبر التاريخ هذه المجموعة أو القائمة من الكتاب في مقدمة الأدباء المحترفين وكانت أعمالهم الأدبية وتخصص كل منهم في ناحية من نواحي الأدب موضع تقدير وتعظيم عند قدماء المصريين ابتداء من الاسرات الأولى والعصر العتيق مرورا بالدولة القديمة والدولة الحديثة . . ويعتبر بعض المؤرخين تلك البردية كلوحة من ((لوحات الشرف أو لوحات الخلود ((التي كانت تعتبر في اعياد الادب لتخليد ذكرى الكتاب والأدباء حتى يستمر حضورهم وحياتهم.
 اعفاء من الضرائب
وفي احدي برديات الأسرة التاسعة عشرة وجد نص ملكي أصدره الملك سيتي الأول باعفاء الكاتب والأديب من الضرائب والجزية
كما وجدت بردية أخرى من عهد رعمسيس الثالث تضيف إلى اعفاء الكاتب من الضرائب بأنواعها صرف معاش للكاتب والأديب حتى يتفرغ لعمله ولا تشغله مطالب الحياة عن القيام بعمله المقدس وقد اشتمل النص في بعضها الى اقطاع أرض مغلة أو مسكن خاص للكاتب كما نص بعضها على تأمين تموينية بحصة ثابتة من مخازن الدولة.
وينعكس ذلك على النصائح التي يقدمها الحكيم أني لابنه في احدى برديات بريس بالمتحف البريطاني ونصها :
((عليك بالكتابة فالكتابة مهنة مقدسة يابني ول وجهك نحو الكتاب ولا توله نحو الحقل فمهنة الكتابة أشرف المهن وأعلاها تعلو بصاحبها فينال احترام الجميع ويتقرب اليه الجميع))
فالكاتب فوق كل شئ ومن يتخذ الكتابة صناعة لاتفرض عليه ضرائب ولا يدفع جزية ويؤمن الآله معاشه لاتنسى أن قلمك هو سلاحك الذي يحميك من أعدائك فلا تعره لغيرك حتى تفقده أو يستعمل ضدك كم كاتبا فالكتابة ترفع رأسك فوق رؤوس الناس وترفع رؤوس الناس نحوك بالاحترام والتعظيم )).
ولقد رفع كثير من الحكماء أمثال بتاح حوتب واني وسنب حتب وأبيوور مكانة الكاتب المصري وقلمه في أقوالهم المأثورة وحكمهم الخالدة من بينها:
• ان صوت الناس يفني ولكن صوت الكاتب يعيش أبدا الدهر.
• القلم سلاحك الذي وهبك الآله اياه وخصك به وميز به مكانتك بين الناس فاحتفظ به نظيفا
ولا تعره لعدوك ولا تدع يدا تحركه غير ضميرك.
• لينطق قلمك بالحق ولا يخظ الا الصدق بما يفيد الناس ويرضي الآلهة.
• أن من يخرس صوت القلم يخرس صوته الى الأبد.
• صوت القلم هو أعلا الأصوات لأنه صوت الحق.
• الكتابة حاسة مقدسة يهبها الآله للكاتب لترفعه فوق الناس فيرى مالا يرون ويسمع
مالايسمعون.
• ان من يغرق صوت القلم بقوة ساعده سرعان ما يغرق هو ويطفو صوت القلم على السطح
• قلم الكاتب طائر يحلق في الآفاق العالية فيرى مالا يراه الغير ويصدح بما يراه وينقله الى من في الارض
 مؤهلات الكاتب وثقافته !
ان لقب الكاتب من الالقاب العلمية التي يحصل عليها حاملها من ((بيت الحياة)) الملحق بالمعبد وهو بمثابة جامعات العلوم والاداب والفنون في العصر الخالي وفي تلك الجامعة يدرس الطالب ويتخصص في مختلف النواحي الأدبية واعلا مراتبها المعرفة المقدسة وهم كتاب العقيدة واللاهوت والعلوم الفلسفية التي أطلقوا عليها اسم ((اسرار الوجود)) ويليهم كتاب الوحي أو الحكماء وهم كتاب تعاليم الحكمة وما ارتبط بها من تدوين التشاريع والوثائق التاريخية.
ثم كتاب الأدب الاجتماعي وهم كتاب أدب القصة بأنواعها وتدوين الأخبار والأحداث ليتناقلها الشعب ثم كتاب الشعر والأغاني وكانوا يجموعون بين الكتابة والعزف على الآلات الموسيقية ثم الكتاب العموميون أو الشعبيون الذين يعملون في الوظائف الحكومية أو في خدمة الشعب وتقتصر ثقافتهم على القراءة والكتابة وتدوين المستندات ولا تدخل ثقافتهم ضمن المؤهلات الجامعية.
لقد عبر قدماء المصريين عن الكاتب وهو يجلس القرفصاء وقد نشر على ساقيه ملفا من ملفات البردي وهو يمسك بطرفه باحدى يديه كي يطوي ماتم كتابته ويمسك بالأخرى أدوات الكتابة من دواة الحبر الأسود والأحمر وأقلام البسط (الغاب) وكان الكاتب يظهر عاري الرأس دلاله على أنه كاتب عمومي أو شعبي ليقوم بتدوين المراسلات والوثائق والعقود وحساب المحاصيل والمنتجات لعامة الشعب.. أما الكاتب الرسمي أو الحكومي المؤهل فكان يميز عن الكاتب العمومي أو الرأس.
أما الأديب وكاتب المعرفة والحكمة فقد رمزوا له بالكاتب الجالس وقد استوى على كتفيه قرد وهو رمز الآله تحوت ((آله الحكمة والكتابة والوحي)) والذي ذكر من صفاته انه يبتدع الكلمات ويجلس فوق رأس الكاتب ليحميه ويوحي اليه بالآفكار التي يسطرها وفي بعض الأمثله يظهر الآله تحوت على شكل الطائر ((أبو منجل)) ((ايبس)) وهو يقف أمام الكاتب الجالس كالمعلم أمام التلميذ ليلقنه ((وحي الفكر والكلمة والحكمة))
أما الكاتب كاتم الأسرار فرمزله بالكاتب الجالس الذي يخفي جسمه وساقه رداء نقش عليه ما يرمز الى قدسية ما يحافظ عليه من أسرار وكاتب المعبد الذي يحتفظ بأسرار الوجود ومتون العقيدة فقد ظهر في عدة أوضاع منها حامل القلم المقدس على شكل صولجان يحمل رأس أحد الآلهة التي تحمي المعرفة المقدسة ولما كان الكاتب العبقري ينسب أعماله من الخلق الأدبي الى الوحي فقد نسب كل كاتب ما يوحى اليه بانتمائه الى آله أو معبود خاص من آلهة المعرفة المقدسة فنسبوا الى ((تحوت)) المعرفة المقدسة والحكمة الخالدة والى امحتب بعد تقديسه ورفعه الى مرتبة الآلهة نسبوا اليه الطب ومجموعة من فنون الأدب وكانت المعبودة ((حتحور)) ربة الحب والجمال هي التي يستمد منها وينسب اليها أدباء قصص الحب وشعراؤه ماينزل عليهم من وحي وما يقدمونه من عمل خلاق وينسب كتاب ادب العدالة والتشاريع أنفسهم الى المعبودة ((ماعت)) الهة الحق والصدق والعدالة وهكذا
وكان الكاتب أو الأديب في كل فن من الفنون وكل ناحية من النواحي الأدب يحتفظ في بيته أو في محراب عمله بتمثال لآلهة الوحي ويقدم لها القرابين عن كل ما يقوم به من عمل خلاق أو انتاج أدبي خالد كما يحمل تميمتها لتحميه ونوحي اليه بالكتابة أو المعرفة المقدسة وفي الأدب المصري القديم أمثله تفصيلا ونصوص أكثر اثارة تؤكد أن معظم معالم الأدب العالمي الخالد في عالم اليوم كان كاتبها الأول هو المصري المسكين الجالس القرفصاء وقد يفسر بعض المؤرخين هذه الظاهرة بأن الكاتب المسكين كان أكثر عبقرية من كل من جاءوا بعده وان الدنيا كلها أفلست فكريا بعد رحيله ولم تستطيع ان تكتب الاأشياء تكرر ماسبق أن كتبه هو.
وقد يكون لدي البعض الاخر تفسير آخر وهو أن الموضوعات القصصية بطبيعتها محدودة ولأن الإنسان القديم قد غطاها جميها ولا يمكن ابتكار غيرها. ولكن هذا الخلاف يهم النقاد والمؤرخين ولا يهمنا نحن لأنه ليس موضوعنا أو بتعبير ادق ((لأن لدينا موضوعا أهم منه لدينا النصوص الفروعينة لمعظم روائع القصص العالمي التي ماتزال منسوبة الى غير كاتبها الجالس القرفصاء وهذه النصوص هي التي سنبدأ نرويها كما كتبها صاحبها لابقصد انصافه فقط ولكنا أيضا بقصد انصافها وامتاع القارئ بنصها الأصل الذي شوهه الناقلون والسارقون والمقتبسون عبر ستة آلاف سنه؟