الحَضارة في اللغة: هي الإقامة في الحضَر، والحضَر خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف، سُميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار وعمران، بخلاف الباد في البادية فهو في تنقل دائم يبحث عن الكلأ والماء، لا يعرف القرار ولا العمران.
ويُقال: فلان حضَري إذا كان من أهل الحاضرة، وفلان بدوي إذا كان من أهل البادية، والحضري لما تميز به عن البدوي بالثبات والإقرار وعدم التنقل والترحال فإن ذلك ساعده على أن يثري حضارته مقر إقامته بجميع مظاهر النمو والتطور، والإبداع العلمي والفني والعمراني، والاجتماعي .. فالحضارة هي محضن كل تطور أو إنجاز إنساني

الحضر عكس السفر

و الحضاره هي الاستقرار وعدم الترحال بينما نرى ان البداوه هي الترحال (اي ليس لهم ارض معينه كل يوم في بقعه من الارض ) …لذا وجب الأستقرار لنشأة الحضارة

أما اصطلاحاً: فالحضارة هي عبارة عن مجموع المفاهيم، والقيم، والتصورات، والعقائد، والقوانين، والمبادئ، والعادات التي تشكل سلوكاً معيناً ومحدداً عند الإنسان، وتحدد له طريقة معينة في الحكم، والعيش، والحياة، والتعامل مع الآخرين.

فالصدق مثلاً: خلق ومفهوم وقيمة حضارية .. يهدي إلى البر .. ويترتب عليه سلوك إيجابي متحضر على مستوى الفرد والمجتمع .. بخلاف الكذب فهو خلق مذموم غير حضاري .. لأنه يهدي إلى الفجور والفساد .. ويشكل سلوكيات سلبية متخلفة مدمرة تسيء للفرد والمجتمع سواء.

وكذلك نقول: في خُلق ومفهوم الأمانة، والوفاء بالعهد، والعدل، والشورى، والإيثار، والشكر، والجود، والشجاعة، والحياء، والأدب .. والقناعة، والتواضع، وإغاثة الملهوف والمحتاج، وحب الخير للآخرين، ومفهوم الحرص على الوقت، وحسن استغلاله فيما ينفع .. والاقتصاد من غير تقتير ولا تبذير ولا إسراف .. والدقة في المواعيد .. والنظام والتنظيم .. وعدم الفضول وتدخل المرء فيما لا يعنيه .. والنظافة والحرص عليها، والرياضة الهادفة التي تُثمر جسداً سليماً وقوياً .. وحب الاطلاع والاستكشاف، والمطالعة والقراءة الراشدة الواعية، والحرص على العلم، والتعلُّمِ، والتعليم .. والعلم التجريبي التطبيقي .. وحب العمل والانتاج والاعتماد على النفس؛ فاليد العليا خير وأحب إلى الله تعالى من اليد السفلى .. فهذه كلها مفاهيم وقيم حضارية معتبرة .. تعطي وتفرز سلوكاً إيجابياً نافعاً ومتحضراً .. مؤداه إلى عمران الأرض بما ينفعها وينفع ساكنيها .. وكل مفهوم حضاري يكون ضده بالضرورة مفهوماً غير حضاري .. والعمل به مؤداه إلى سلوك سلبي مذموم غير متحضر .. ينعكس على الأرض وساكنيها بالضر والفساد، والشر؛ فإذا قلنا مثلاً بأن الوفاء بالعهد مفهوم حضاري فيكون ضده الغدر وهو مفهوم غير حضاري، وكذلك العدل، فضده الظلم وهو مفهوم غير حضاري .. وهكذا بقية المفاهيم والقيم الأخرى.

لذا  عندما يتصرف المرء بطريقة صحيحة راقية أخلاقية ومسؤولة .. يُقال عنه هذا إنسان متحضر .. وإذا تصرف بطريقة خاطئة، متخلفة، غير أخلاقية ولا مسؤولة .. يُقال عنه هذا إنسان متخلف .. همجي .. غير متحضر.
فالسلوك الإنساني .. أيَّاً كان نوعه .. وكانت نتائجه .. ليس هو الحضارة .. وإنما هو عبارة عن نتاج المفاهيم والتصورات الحضارية التي ينتمي إليها هذا الإنسان ويعتقد بها .. والتي أفرزت عنده هذا السلوك .. فإن كان سلوكاً إيجابياً ممدوحاً فهذا دليل على وجود قيم حضارية إيجابية وممدوحة .. وإن كان سلوكاً سلبياً مذموماً فيكون ذلك دليلاً على عدم وجود قيم حضارية إيجابية معتبرة عند هذا الإنسان .. وإنما يكون دليلاً على وجود قيم وأخلاقيات متخلفة غير متحضرة ولا راقية .. فالسلوك الإنساني ـ اياً كان نوعه ـ هو التعبير الصادق عن نوعية ومدى جودة تلك القيم الحضارية التي ينتمي إليها الإنسان.

فالإنجاز العلمي التجريبي ـ قديماً وحديثاً ـ يشترك فيه جميع بني البشر .. وأسبابه مبذولة للجميع .. وبالتالي فهو ليس دليلاً ولا مقياساً على تحضر أو حضارة شعب من الشعوب .. وإنما هو دليل على وجود جزء من تلك المفاهيم والقيم الحضارية التي ينتمي إليها ذاك الشعب أو غيره .. ألا وهي قيمة الاهتمام والحرص على العلم التجريبي التطبيقي.
فالآلة المصنَّعة .. مهما كانت ضخمة وهامة ومتطورة .. ليست هي الحضارة .. وإنما المفاهيم والقيم والتصورات .. التي كانت سبباً في وجود هذه الآلة .. والتي تحكم وتحدد الطريقة التي تُستخدم بها هذه الآلة .. هي الحضارة، ومن خلالها يُحكم على صاحبها بالتحضر أم لا أو كم هي نسبة التحضر التي يتحلى بها!

فالذي يُصنِّع سلاحاً متطوراً وفتاكاً مدمراً .. لكي يستخدمه لأغراض الشر والفساد والتخريب والدمار في الأرض .. ولأغراضه الشخصية الذاتية أو الحزبية الضيقة .. فهذا رغم ملكه لهذا السلاح الفتاك وتصنيعه له .. فهو إنسان غير متحضر .. لا يُمكن أن يُنسَب إلى الحضارة والتحضر في شيء .. ولو نُسب مجازاً فهو يُنسب إلى حضارة متخلفة همجية غير راقية .. ولا إنسانية!

فهذا الذي يصنِّع قنبلة ضخمة فتاكة .. ليقتل بها الأطفال والنساء، وغيرهم من الآمنين ممن صان الشرع حرماتهم .. وليدمر البيوت على رؤوسهم .. فهذا رغم تصنيعه لهذه القنبلة الضخمة لا يُمكن أن يُصنَّف بأنه إنسانٌ متحضر أو يُوصَف فعله هذا بالتحضر والرقي، أو أنه ينتمي إلى قيم حضارية راقية معتبرة!

الإنسان الذي ينتهج مبدأ الغايات تبرر الوسائل؛ مهما كانت هذه الوسائل قذرة وسيئة ومنحطة .. لا يُمكن أن يُعتبر متحضراً ولا راقياً مهما كان متقدماً في الصناعات والتطاول في البنيان والعمران!

نقول ذلك لأن كثيراً من الباحثين فضلاً عن غيرهم يقيسون الحضارة والتحضر بمدى الإنجاز والتطور العلمي، ويظنون أن آلات التصنيع المتقدمة .. والتطاول في العمران .. التي يتمتع بها مجتمع من المجتمعات هي الحضارة ذاتها .. وهي دليل على تحضر ورقي ساكني هذه المجتمعات .. وهذا خطأ فاحش شائع لا بد من تصحيحه وتداركه!

“منقــول “